يكتبه محمد قماري
ظالمة وخاطئة تلك النظرة العجلى إلى مجتمعاتنا، وقاسية تلك المحاكمات والأحكام التي تقضي أننا بصدد واقع الجثة التي يحار أهلها في تشييعها إلى مثواها الأخير ومواراتها التراب..ومن هنا يتكاثر بيننا عدد الباكين والنائحين من (سوء الحال والمصير)، وأن لا جدوى ترجى من الدعوة إلى الإصلاح والنهوض..
ولكن الواقع يدل أنها نظرة ظالمة فعلا، فالمريض مهما تعددت علله ليس ميتا والأمل في شفائه يبقى قائما، وأن المستعجلين في البكاء والنحيب قد يمثلون جزءا من المشكلة بتكريسهم روح الانهزام والاستسلام، فيصبحوا ثقلا آخر على الجسم المنهك وهم يظنون أنهم بنحيبهم قد حققوا سبقا في النعي !
إن مؤشرات حراك بطيء يظهر في أطراف جسم هذه الأمة، ويعطي دلالات أمل واضحة، يعززها وجود انتقال موقف (بعض النخب) من دور التلميذ المنبهر بما يحدث أمامه إلى موقف أقرب إلى الملاحظ الذي يأخذ ويدع ويشاهد ويحلل وهي خطوة مهمة على مسار الوعي..
ولقد سرر وأنا أقرأ المدخل إلى إشكالية الندوة الدولية التي دعا إليها المجلس الأعلى للغة العربية الأسبوع الماضي، فلقد صيغت بحق: (إذا كان حاضر المجتمعات المتقدمة يعرف بمجتمعات المعرفة، فهل بإمكان مجتمعاتنا الموصوفة بالنامية أن تستشف مستقبلا مماثلا..؟) فالصيغة لا محاباة فيها ولا نكران فالآخر (متقدم) وسلاحه (المعرفة) وواقعنا أننا نـ(وصف) بالمجتمعات النامية، وهي كلمة توصف تأخذ كل ظلالها وأبعادها، لكن مع كل ذلك فالأمل موجود وإن ظهر في قالب سؤال لكن يعززه مبرر عقد هذه الندوة والندوات المماثلة لها عبر عالمنا العربي..
وقد جاءت أعمال الندوة ثرة غنية بدءا من كلمة رئيس المجلس الدكتور محمد العربي ولد خليفة، حيث شدد على توخي المنهجية في الطرح بتجاوز الثنائيات المقيتة والقوالب النمطية الجاهزة، (مع) أو(ضد) تهليل على طول الخط أو عدمية وتنكر على طول الخط، وهي أمور تقضي على مناورة الفكر وتحجر عليه، وهذه النظرة تكرس مركبات النقص على الرغم من أن العقل والذكاء مشاع بين البشر، فلا يوجد متخلف ومتقدم بفعل التركيب الأولي..
والندوة ركزت على ضرورة التقيد المصطلحي فمجتمع (المعرفة) لا يقصد منه مجتمع (المعلومات) فالمعلومات ضرورية لاكتساب المعرفة لكنها ليست هي المعرفة، وفي هذا السياق يجب التفريق بين حشو المعلومات وتكديسها دون تمثلها، فتحدث ابتهاجا أشبه بفرح الطفل بلعبته التي لا يعرف شيئا عن تركيبها، وبين تكديس خبرات المعرفة التي تفضي إلى الاستيعاب والإبداع الحضاري..
فمجتمع المعلوماتية الذي يقاس بعدد أجهزة الكمبيوتر والتمكن من الدخول إلى شبكة المعلومات الدولية (الانترنت)، أما مجتمع المعرفة فلا يتحقق بعدد أجهزة الكمبيوتر، بل بتوفير مناخ سليم للتنمية والإبداع الذي يشترط توفر مناخ الحرية وعدم الحجر على العقول، ومنه فالمعرفة تشمل كل الأطر الحضارية والحياتية وليست رديفا للتقنية والمصنع..
فالنموذج الياباني، مثلا، مع علو قدره في مجال التقنية والروبوتيك إلا انه بقي عاجزا في مجال الإبداع في العلوم الإنسانية، والياباني إلى اليوم إما أن يعيش على ما تركه موروثه التقليدي فيقضي أيام أسبوعه الأولى أما أدق الأجهزة ليفرغ نهاية الأسبوع إلى المعبد فيؤدي طقوسا ويمد كفه ليقرأ طالعه، أو أن ينسلخ من ذاته وينخرط بكله في النمط الغربي وعندها لا يصبح نفسه..
وفي أواخر أكتوبر الماضي عقد في دبي (مؤتمر المعرفة الأول) في أعقاب مبادرة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي في ماي الماضي خلال المنتدى الاقتصادي العالمي للشرق الأوسط وخصص لها عشرة مليارات دولار للنهوض بالأمة من جديد، وخلال افتتاحه للمؤتمر تحدث بأسى عن صديق له قال: إن مبادرته المعرفية التي أعلنها في ستكون كمن يحرث في البحر، وقال حاكم دبي "أنا لا أحرث في البحر وعلينا ان نكون متفائلين بالمستقبل"..
وعلق أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى على الشيخ محمد بن راشد بقوله: (ولماذا لا تحرث في البحر من اجل المعرفة وأنت بالفعل حرثت فيه من قبل وبنيت عليه الجزر والمدن).
فإذا كان الحرث العادي لا يتم في البحار، فالحرث في بحر المعرفة ممكن ومقدور عليه، لأن هذا البحر ليس حكرا لأحد من دون الناس ومصباته وروافده يملكها الجميع ومن حق الجميع ومن واجبهم أن يغترفوا منه..